خلال بضعة أشهر فقط، وليبيا واليمن وسورية. ففي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قدرت مجموعة استشارات الإدارة الدولية “جيوبوليسيتي”، مجموع تكلفة “الربيع” في تضاعفت تقديرات تكلفة الربيع العربي، اقتصادياً، في كل من مصر وتونس هذه الدول بـ54.75 مليار دولار أميركي، ليقفز الرقم مع شهر كانون الأول (ديسمبر) الحالي إلى ما يزيد عن 100 مليار دولار، بحسب تقديرات مجلس الوحدة الاقتصادية، التابع لجامعة الدول العربية.
لكن هذه الأرقام، التي لابد وأنها تصاعدت أو حتى تضاعفت مرة أخرى خلال القليلة الأيام الماضية، لا يمكن أن تتبدى حقيقتها ودلالتها إلا بقراءتها مترافقة مع حجم الفساد في الدول السابقة.
وبحسب مؤشر مدركات الفساد للعام 2011 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فإنه من بين 183 دولة وإقليماً، تقبع كل من ليبيا واليمن وسورية ومصر وتونس في المراكز 168، و164، و129، و112، و73 على التوالي، ولتكون بذلك في غالبيتها العظمى ضمن الأعلى فساداً في العالم. وقبل ما يزيد على السنة، قدر أمين عام المنظمة العربية لمكافحة الفساد تكلفة الفساد في الدول العربية عموماً، خلال الفترة 1950-2000 وحدها، بما يقرب من ألف مليار دولار شكلت ثلث إيرادات هذه الدول إبان تلك الفترة. فيما ذهب ألف مليار آخر للتسليح الذي ظهر جلياً اليوم أنه يستهدف الشعوب وليس الأعداء الخارجيين. وكل ذلك جاء، حتماً، على حساب البرامج التنموية، بغض النظر عن توازنها أو تشوهها، والتي لم يكن نصيبها سوى الثلث المتبقي فقط.
بهذه القراءة فقط، يكون منطقياً وضرورياً القول إن تكلفة الربيع العربي، أياً كان حجمها، لم تكن لتذهب أبداً إلى جيب المواطن مباشرة، أو ليجنيها بشكل غير مباشر على الأقل عبر برامج تنموية تستهدفه صحياً وتعليمياً وثقافياً وسواها. وبعبارة أخرى، فإنه إذا كان ثمة خسائر تترتب على الربيع العربي، فهي للآن خسائر تطال الأنظمة في الدول السابقة وحدها، والتي كانت تستأثر بموارد تلك الدول بما يشبه النظام الإقطاعي، وحيث تحول المواطنون إلى أقنان يُلقى إليهم بالفتات الذي يبقيهم أحياء لمواصلة خدمة السادة الحاكمين. بهذا المنظار يُفهم تماماً تهديد (وليس تحذير) نظام الأسد في سورية، وقبله نظام القذافي في ليبيا، بالحرب الأهلية عوضاً عن الإصلاح الحقيقي؛ فالمسألة لهما ليست أوطاناً تصان، بل إقطاعيات مدرة للثروة بفضل عمل المستعبدين.
في المقابل، وبالنسبة للمواطنين الثائرين والمنتفضين في اليمن وسورية للآن بعد تونس ومصر وليبيا، فإن خسائر هؤلاء الحقيقية تشمل فقط كل الفترة التي سبقت ثوراتهم وانتفاضاتهم، وهي خسائر لا يمكن بأي حال تقدير عمق حجمها بالنظر إلى الجوانب المتعددة للدمار الذي خلفه الفساد على الصعد التنموية المختلفة؛ تعليما وصحة وثقافة، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية. أما التكلفة التي يدفعها هؤلاء المواطنون اليوم، بما في ذلك أرواحهم قبل أرزاقهم، فهي ليست إلا الثمن لإيقاف خسائر عقود طويلة بفضل الاستبداد. وهو ثمن يتوجب دفعه للمرة الأخيرة في سبيل استعادة أصول الأوطان، وفي القلب منها استعادة مواطنة الإنسان.
منار الرشواني


